أطباء ليبيا يطالبون بمراجعة الإنفاق العام وإصلاح النقابة وضمان الحقوق المهنية
نُشر مكتب المشرق
في ليبيا، أشار موقع أخبار ليبيا 24 إلى أن أوضاع الأطباء والعاملين في القطاع الصحي ما زالت تثير تساؤلات واسعة، وسط مطالب بتحسين بيئة العمل وصون الكرامة المهنية وتوفير حماية قانونية للكوادر الطبية.
مطالب بمراجعة الإنفاق العام وضمان الشفافية
اعتمد اتحاد حراك القطاع الصحي على بيانات قال إنها صادرة عن مصرف ليبيا المركزي، مبيناً أن نحو 80 في المئة من الموظفين يتقاضون رواتبهم عبر منظومة “راتبك لحظي” بإجمالي يقارب 29 مليار دينار، بينما يحصل نحو 20 في المئة على رواتبهم عبر الحوافظ بقيمة تقدر بحوالي 31 مليار دينار.
يرى الاتحاد أن هذا التفاوت يثير تساؤلات حول آليات صرف المرتبات ووضوح توزيع الإنفاق العام والجهات المستفيدة من المخصصات المالية، ويطالب بتوضيح أوجه الصرف وإخضاعها للرقابة والمساءلة.
كما دعا الاتحاد إلى فتح ملفات الإنفاق على السفارات والسفريات الرسمية وعقود الترسية ولجان الشراء، والتحقق من سلامة الإجراءات والجدوى الاقتصادية للمصروفات العامة في إطار مواجهة أي تجاوزات محتملة وحماية موارد الدولة.
وأكد أن مطالبة الموظفين بالتقشف في ظل تحذيرات من التضخم وتراجع قيمة الدينار يجب أن تقترن بمراجعة شاملة لأولويات الإنفاق العام، وأن لا تتحول إلى مبرر لتأجيل الحقوق المالية والمهنية للعاملين في القطاعات الأساسية وفي مقدمتها الصحة.
ويرى أن حماية الاقتصاد الوطني لا تتحقق بتقييد مطالب العاملين أو تحميلهم وحدهم أعباء الاختلالات الاقتصادية، بل تبدأ بإحكام الرقابة على المال العام والتحقق من أوجه الإنفاق ومحاسبة المسؤولين عن أي مخالفات تثبتها الجهات المختصة.
ويشير إلى أن هذه المطالب تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأطباء الذين يواصلون العمل في المستشفيات ومرافق الإيواء، رغم التحديات التي تواجههم من حيث الإمكانات المتاحة وضغط العمل والحقوق المالية والاعتبار المهني.
انتقادات للدور النقابي ودعوة لإجراء انتخابات جديدة
في سياق متصل، أثار البيان الصادر عن نقابة أطباء طرابلس بشأن توقيف عدد من الأطباء والإفراج عنهم انتقادات وتساؤلات من أصوات في الحراك الطبي، التي طالبت النقابة بتوضيح ما اتخذته من خطوات فعلية خلال فترة التوقيف بدلاً من الاكتفاء بإعلان الاستعداد لتقديم الدعم والمساندة القانونية.
تركزت الانتقادات حول توقيت التحرك النقابي ومدى فاعليته والجهات التي جرى التواصل معها والإجراءات التي اتُّخذت لتوفير الحماية القانونية للأطباء المعنيين، فضلاً عن النتائج التي أسفرت عنها تلك التحركات.
كما أثار الحديث عن تعذر توكيل محامٍ بسبب عدم التواصل المباشر مع الأطباء أو عدم استكمال البيانات اللازمة تساؤلات بشأن محاولات التواصل مع الجهات المختصة والبدائل القانونية التي كان من الممكن بحثها ومدى إعلان النقابة عن خطوات عملية أثناء الأزمة.
ويؤكد الحراك أن هذه التساؤلات لا تنطوي على رفض احترام القانون أو الانتقاص من قرينة البراءة، بل على مطالبة المؤسسة النقابية بإثبات حضورها العملي عند تعرض أعضائها لأزمات قانونية أو مهنية.
ويشدد على أن الإفراج عن الأطباء لا ينهي تلقائيًا الحاجة إلى توضيح ملابسات فترة توقيفهم، ولا يعفي المؤسسة النقابية من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بدورها وإجراءاتها، مع التأكيد على أن أي تقييم للمسؤوليات يجب أن يستند إلى الوقائع والوثائق والردود الرسمية.
وطالب الحراك النقابة بالكشف عن الإجراءات التي اتخذتها خلال فترة التوقيف وتواريخها ونتائجها، والجهات التي تواصلت معها رسمياً، والخطوات التي نفذتها لتوفير المساندة القانونية، إلى جانب تقديم ضمانات تحول دون مواجهة أي طبيب مستقبلاً إجراءات مماثلة من دون دعم نقابي فعال.
وتنقل المطالب إلى ملف شرعية التمثيل النقابي، في ظل الأزمة التي تشهدها النقابة وما أُعلن عن إغلاقها من جانب أطباء الحراك، فتدعو إلى تنظيم انتخابات عامة جديدة تتسم بالنزاهة والشفافية وتجري وفق التشريعات واللوائح النافذة وبإشراف محايد يضمن تكافؤ الفرص بين المترشحين.
ويؤكد الداعون إلى الانتخابات ضرورة تمكين الأطباء من اختيار ممثليهم بحرية، بعيدًا عن الإقصاء أو التهميش أو الترتيبات المسبقة التي قد تحد من إرادة القاعدة الطبية، مع ضمان مشاركة الأطباء في مختلف المناطق الليبية لتحقيق تمثيل أوسع وأكثر عدالة.
كما تشمل المطالب مراجعة الإجراءات والظروف التي أفضت إلى الأزمة الراهنة ومعالجة أسباب الاحتقان وفق الأطر القانونية والمؤسسية وترسيخ مبدأ المحاسبة، مما يساعد على استعادة الثقة بين الأطباء ومؤسستهم النقابية.
ويستند هذا الطرح إلى أن النقابة، بوصفها مؤسسة مهنية، لا تستمد شرعيتها من الأشخاص القائمين عليها وحدهم، بل من القواعد القانونية المنظمة لعملها وثقة أعضائها وقدرتهم على اختيار ممثليهم ومساءلتهم.
ويقول أصحاب هذه المطالب إن الهدف ليس تصفية الحسابات أو الدفع نحو الفوضى، بل إحداث إصلاح نقابي يضمن استقلال المؤسسة عن المصالح الشخصية ويجعل الدفاع عن الحقوق المهنية والمالية للأطباء جزءًا ثابتًا من عملها، لا استجابة مؤقتة تفرضها الأزمات.
تضامن دولي وتأكيد على حقوق المرضى
وفي مشهد يعكس امتداد التضامن مع الكوادر الطبية الليبية إلى الخارج، وصل الدكتور عبد الباسط الحداد، رئيس جمعية الأطباء الليبيين في ويلز وبريطانيا، من ويلز إلى العاصمة طرابلس، للوقوف إلى جانب الأطباء أمام مجمع المحاكم، دعمًا لحقوقهم وكرامتهم المهنية وتضامنًا مع العاملين في القطاع الصحي في مواجهة ما وصفه باعتداءات تعرضت لها كوادر طبية.
وأكد الحداد أن الأطباء الليبيين في الخارج يدعمون التحرك الرامي إلى الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الصحي، انطلاقًا من ضرورة إنقاذ المنظومة الصحية وتحسين أوضاعها ورفض الاعتداء على الكوادر الطبية.
ويحمل حضور الحداد، وفق دلالة هذا التحرك، رسالة تضامن مهني تتجاوز حدود الجغرافيا، إذ يربط الأطباء الليبيون في الخارج بين مسؤوليتهم تجاه زملائهم في الداخل وضرورة حماية مهنة الطب وضمان قدرة المؤسسات الصحية على مواصلة تقديم خدماتها للمواطنين.
ولا تنحصر القضية في حقوق الأطباء بوصفها مطالب وظيفية، بل تمتد إلى حق المريض الليبي في تلقي العلاج ضمن منظومة قادرة على الاحتفاظ بكفاءاتها وحمايتها وتوفير بيئة عمل مناسبة لها؛ فتعرض الطبيب للضغوط أو الاعتداءات أو شعوره بغياب المساندة المهنية والقانونية يثير مخاوف بشأن استقرار بيئة العمل وثقة العاملين بالمؤسسات التي يُفترض أن تدافع عنهم.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه المخاوف تقتضي التحقق من الوقائع المتعلقة بالاعتداءات المبلغ عنها وتحديد المسؤوليات عبر الإجراءات القانونية وضمان حقوق جميع الأطراف، بالتوازي مع توفير الحماية اللازمة للعاملين في القطاع الصحي.
وتضع هذه التطورات الجهات التنفيذية المعنية بالقطاع الصحي أمام أسئلة تتعلق بظروف عمل الأطباء والحقوق المالية والمهنية وآليات حمايتهم، كما تضع المؤسسة النقابية أمام استحقاق توضيح أدائها ومراجعة مدى استجابتها لمطالب أعضائها.
وفي هذا السياق، يطالب حراك القطاع الصحي بأن تترافق أي دعوات إلى ضبط الإنفاق العام مع مراجعة أوجه الصرف ومكافحة التجاوزات، بدل أن يتحمل الموظف محدود الدخل والطبيب العامل في المستشفى العبء الأكبر من سياسات التقشف.
كما يطالب منتقدو أداء النقابة بتحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات قابلة للقياس والمراجعة، تشمل المساندة القانونية الفعلية والمتابعة المستمرة لقضايا الأطباء وإجراء انتخابات شفافة تتيح للقاعدة الطبية تحديد ممثليها.
وتظل الإجابات الرسمية عن التساؤلات المتعلقة بالإنفاق العام والإجراءات النقابية خلال فترة توقيف الأطباء وظروف الأزمة الراهنة أساسية لتكوين صورة مكتملة عن المسؤوليات والوقائع، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات المتبادلة أو إطلاق الأحكام دون أدلة.
وفي بلد يواجه فيه القطاع الصحي تحديات متراكمة، تبدو حماية الطبيب وصون كرامته المهنية جزءًا من حماية حق المواطن في العلاج، بينما يمثل ضبط الإنفاق ومساءلة المؤسسات وتجديد الثقة في التمثيل النقابي مسارات مترابطة لمعالجة الأزمة.
ويُلخص مطالب الحراك موقفه في ضرورة وجود نقابة حاضرة عند تعرض أعضائها للأزمات، وقادرة على الدفاع عن حقوقهم ومساءلة نفسها، إلى جانب إدارة عامة تخضع مواردها للرقابة وتضع احتياجات المواطنين والعاملين في القطاعات الحيوية ضمن أولوياتها.
ويُؤكد أن كرامة الطبيب الليبي ليست امتيازًا تمنحه مؤسسة أو جهة تنفيذية، بل قضية مهنية وإنسانية ترتبط بكرامة المواطن وحقه في منظومة صحية تحفظ حقوق العاملين فيها وتوفر للمرضى الرعاية التي يحتاجون إليها.



