بروكسل تخصص 25 مليون يورو إضافية لملف الهجرة في شرق ليبيا وتوسع نطاق التعاون
نُشر مكتب المغرب العربي
ليبيا – يواصل الاتحاد الأوروبي إعادة تشكيل أولوياته في ملف الهجرة غير النظامية، متجاوزاً قنوات التعاون التقليدية مع السلطات في طرابلس، ليشمل شرق البلاد في خطوة تعكس تصاعد أهمية هذه المنطقة في استراتيجية إدارة الحدود والتحكم بتدفقات المهاجرين عبر البحر المتوسط، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي الليبي.
في هذا الإطار، كشف الاتحاد الأوروبي عن تخصيص تمويل إضافي بقيمة 25 مليون يورو (نحو 29 مليون دولار) لدعم التعاون في مجال الهجرة مع شرق ليبيا، وذلك ضمن مساعيه للحد من وصول المهاجرين إلى أراضيه عبر المسارات البحرية المنطلقة من السواحل الليبية، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن رسالة وجهتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى قادة الاتحاد.
تمويل جديد لإدارة الحدود والإنقاذ
يُخصص التمويل الإضافي، بحسب المصدر نفسه، لدعم إدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ، إلى جانب مكافحة تهريب المهاجرين في شرق ليبيا. ويعكس هذا التوجه الأوروبي تحولاً نحو تعزيز القدرات الميدانية لمراقبة الحدود والتعامل مع تحركات المهاجرين، ضمن سياسة تستهدف الحد من الهجرة غير النظامية عبر المتوسط والحد من نشاط شبكات التهريب التي تستغل الأوضاع الأمنية والاقتصادية في دول العبور.
ويبرز التمويل الأهمية المتزايدة التي تحظى بها السلطات المحلية في شرق ليبيا ضمن المقاربة الأوروبية، إذ يتطلب تنفيذ الإجراءات المرتبطة بالحدود والإنقاذ البحري تعاوناً ميدانياً مع الجهات التي تدير المناطق الساحلية والمنافذ والمسارات التي يستخدمها المهاجرون. ولا يقتصر أثر هذه الخطوة على توفير موارد مالية إضافية، بل يمتد إلى توسيع نطاق التنسيق الأوروبي مع الشرق، مما قد يمنح المنطقة دوراً أكبر في تنفيذ برامج الهجرة خلال المرحلة المقبلة.
بروكسل توسع اتصالاتها مع سلطات الشرق
كثفت بروكسل اتصالاتها مع سلطات شرق ليبيا منذ العام الماضي، بالتزامن مع تزايد أعداد المهاجرين المنطلقين من المناطق الشرقية، وفق ما أورده التقرير. ويكشف هذا التوجه عن اتساع نطاق التحرك الأوروبي في التعامل مع الملف الليبي، حيث باتت بروكسل توسع اتصالاتها مع السلطات التي تملك نفوذاً ميدانياً في ليبيا، انطلاقاً من متطلبات التعاون العملي في ملف الهجرة.
وتبرز هذه المقاربة خصوصية الحالة الليبية، حيث يفرض الانقسام السياسي وتعدد مراكز السلطة تحديات أمام تنفيذ السياسات المرتبطة بإدارة الحدود ومكافحة التهريب، مما يدفع الأطراف الخارجية إلى التواصل مع الجهات القادرة على التأثير في مسارات الهجرة والتحركات الميدانية. ومع ذلك، يطرح هذا الانفتاح تساؤلات بشأن انعكاساته على التوازن بين السلطات المتنافسة في ليبيا، ومدى ارتباط التعاون الأوروبي بالاعتبارات العملية والأمنية مقابل الأبعاد السياسية والمؤسسية التي تحكم العلاقات مع الأطراف الليبية المختلفة.
بنغازي ضمن الحسابات الأوروبية للإنقاذ البحري
يأتي التمويل الإضافي عقب إعلان الاتحاد الأوروبي، في يوليو الماضي، عزمه إنشاء مركز لتنسيق الإنقاذ البحري في بنغازي، في خطوة تستهدف تعزيز التعاون مع السلطات المحلية في إدارة عمليات البحث والإنقاذ المرتبطة بحركة الهجرة عبر البحر المتوسط. ويعزز المشروع، إلى جانب التمويل الجديد، المؤشرات على توجه أوروبي نحو توسيع البنية التنسيقية الخاصة بملف الهجرة في شرق ليبيا، بما يتيح التعامل بصورة أكثر مباشرة مع التحركات البحرية المنطلقة من المنطقة.
ويمثل إنشاء مركز لتنسيق الإنقاذ البحري في بنغازي تطوراً مهماً في مسار التعاون المقترح، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه مراكز التنسيق في تبادل المعلومات وتنظيم الاستجابة للحوادث البحرية وتحديد مسارات التعامل مع قوارب المهاجرين التي تواجه مخاطر في البحر. لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بطبيعة الترتيبات التنفيذية، والجهات المشاركة في إدارة المركز، ومدى وضوح المسؤوليات وآليات التنسيق، فضلاً عن الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية المعمول بها في عمليات الإنقاذ البحري.
كما يثير توسيع التعاون في هذا المجال أهمية ضمان ألا تقتصر المقاربة على منع المغادرة أو اعتراض القوارب، بل أن تشمل حماية أرواح المهاجرين والتعامل مع المخاطر التي يواجهونها خلال رحلات العبور.
العودة الطوعية ضمن أولويات التعاون
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن التعاون يشمل أيضاً دعم العودة الطوعية للمهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، إلى جانب العمل على الحد من وصول مهاجرين إلى ليبيا بهدف العبور بصورة غير قانونية إلى دول الاتحاد الأوروبي. ويضيف هذا المسار بعداً آخر إلى الاتفاقات والبرامج التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيزها في ليبيا، إذ لا يقتصر التعاون على إدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب وعمليات البحث والإنقاذ، بل يمتد إلى تنظيم برامج العودة الطوعية للمهاجرين الذين يرغبون في الرجوع إلى بلدانهم.
وتؤدي المنظمة الدولية للهجرة دوراً في برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج، بما يشمل مساعدة المهاجرين الراغبين في العودة على استكمال الإجراءات اللازمة وتيسير رحلاتهم، وفقاً للبرامج المتاحة وظروف كل حالة. وتبرز أهمية هذا الجانب في ظل المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون خلال رحلات العبور، فضلاً عن التحديات الإنسانية التي تواجههم داخل بلدان العبور، مما يجعل توفير خيارات آمنة وطوعية للعودة أحد المسارات التي تسعى الجهات الدولية إلى دعمها. غير أن فعالية هذه البرامج ترتبط بضمان الطوعية الفعلية للعودة، وتوافر المعلومات الكافية أمام المهاجرين، وعدم ممارسة الإكراه عليهم، إلى جانب توفير ضمانات تحمي حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.
ويؤدي استمرار الاضطرابات والانقسام المؤسسي والتحديات الأمنية والاقتصادية إلى تعقيد إدارة ملف الهجرة، في وقت تواجه فيه السلطات الليبية والمنظمات الدولية صعوبات تتعلق بمراقبة الحدود، ومكافحة التهريب، وتوفير الحماية للمهاجرين. وفي المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي السعي إلى تعزيز التعاون مع دول العبور للحد من وصول المهاجرين إلى أراضيه، من خلال دعم إدارة الحدود، وتطوير آليات التنسيق البحري، ومكافحة شبكات التهريب، وتمويل برامج العودة الطوعية.
ويمنح توسيع التعاون ليشمل شرق ليبيا هذا التوجه بعداً إضافياً، خصوصاً مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالمسارات التي تنطلق منها قوارب المهاجرين، والحاجة إلى التنسيق مع الجهات التي تملك نفوذاً ميدانياً في المناطق المعنية. لكن الاعتماد على الإجراءات الأمنية وحدها لا يكفي لمعالجة جذور الهجرة غير النظامية، إذ تظل الأوضاع الاقتصادية والصراعات وانعدام الاستقرار في بلدان المنشأ والعبور من العوامل التي تدفع أعداداً من المهاجرين إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.
يمثل تخصيص الاتحاد الأوروبي 25 مليون يورو إضافية للتعاون في ملف الهجرة مع شرق ليبيا مؤشراً على اتساع نطاق انخراط بروكسل مع السلطات الفاعلة في المنطقة، بالتوازي مع التحركات الرامية إلى إنشاء مركز لتنسيق الإنقاذ البحري في بنغازي وتعزيز برامج العودة الطوعية للمهاجرين. وتضع هذه الخطوات شرق ليبيا في موقع أكثر أهمية ضمن المقاربة الأوروبية لإدارة الهجرة عبر المتوسط، لكنها تفتح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن انعكاسات هذا التعاون على المشهد السياسي الليبي.
وفي نهاية المطاف، لن تقاس نتائج التمويل الجديد بحجمه أو باتساع قنوات الاتصال وحدها، بل بمدى قدرته على الحد من نشاط شبكات التهريب، وتحسين الاستجابة لحالات الخطر في البحر، وضمان حماية حقوق المهاجرين، وتوفير مسارات آمنة وطوعية للعودة، بعيداً عن الاكتفاء بمعالجة تداعيات الظاهرة دون التطرق إلى أسبابها الأساسية.





تعليقات القرّاء
لا تعليقات على هذا التقرير حتى الآن.